الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

243

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

الإنسان الكامل ، ثم منها إلى الحضرة الإلهية ، وأعني بها أنه يصل إلى مقام الفناء في اللَّه ، والمراد منه شهوده كلّ وجود وكل كمال وجود في وجود الحق ، والمراد من الشهود هو العلم والمعرفة الحقيقية الوجدانية بالروح الكلي الإلهي . وبعبارة أخرى : في بيان هذا السير للإنسان ، أن أول مقام الإنسان كونه مقدّرا في علم اللَّه تعالى ، ثم سار إلى صلب آدم ومقام مسجوديته للملائكة ، بعد ما صار روحا موجودا في جنة الأرواح وعالم القدس ، وعالم صور الأسماء الإلهية كلَّها ، ثم سار إلى أن تعلق بالبدن بواسطة لطيفة حيوانية متوسطة بين الروح العقلائي ، وهذا البدن الكثيف الظلماني المركب من الأضداد ، المنشأ للعداوة والعناد والحسد والفساد ، المحجوب عن عالم المعاد ، وهذا غاية النزول عن الفطرة الإلهية ، والكون في حدود السفالة والنقصان ، لكونه حينئذ مركبا ومتقلبا من طبايع العناصر كساير أنواع الحيوانات ، وهي في مراتب التسفّل بالنسبة إلى ساير الجواهر والأعيان ، إلا أنه تعالى أكرمه بأن جعل في ذاته قوة الترقي إلى حدّ الكمال ، والارتقاء إلى أنوار المبدإ المتعال ، سائرا إلى حدّ سكَّان عالم النور ، متنعّما بنعم الآخرة والسرور ، فلم يجز في العناية الإلهية والألطاف الأولية أن يهمله في مراتع الشهوات كالديدان والحشرات من غير هدى ، وتعطيله عما خلق لأجله ، وأن يترك سدى ، وحيث إنه تعالى قد خصّه بكمال خلق لأجله ، وبفعل يتممه إذا وفق له ، فلا محالة أكرمه حينئذ بالشرع المبيّن له هذا الفعل الذي يؤديه إلى كماله . وبعبارة أخرى : قد يسّر اللَّه تعالى له الرجوع إلى الفطرة الإلهية ، والعود إلى المبدإ بالسير الرجوعي على عكس السير النزولي ، قال تعالى : ( ثم السبيل يسّره ) 80 : 20 ( 1 ) وقال تعالى : ( ارجعي إلى ربّك راضية مرضية ) 89 : 28 ( 2 ) فبالخلاص عن تلك القيود التي أشير إليها من الأضداد ، والصفات الرذيلة ، والتبري عن هذا الوجود ،

--> ( 1 ) عبس : 20 . . ( 2 ) الفجر : 28 . .